فصل: التّعريف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


حصاد

التّعريف

1 - الحصاد بفتح الحاء وكسرها مصدر حصد الزّرع حصادا أي‏:‏ جزّه، وقطعه بالمنجل، ومثله الحصد، وحصائد الألسنة الّذي في الحديث‏:‏ هو ما قيل في النّاس باللّسان، والمحصد‏:‏ المنجل وزنا ومعنى، والحصاد الزّرع المحصود، والحصاد أيضا‏:‏ أوان الحصاد، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقّه يوم حصاده‏}‏ والفقهاء يستعملون الحصاد لهذا المعنى‏.‏ وأطلقوه أيضا على ما بقي في الأرض بعد حصاد الزّرع توسّعا، كما ذكره المطرّزيّ نقلا عن شرح القدوريّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّياس‏:‏

2 - الدّياس في الحبوب أن توطأ بقوائم الدّوابّ، ويكرّر عليه الدّوس حتّى يصير تبنا‏.‏ وهو عند الفقهاء من المواسم المعتادة يأتي بعد الحصاد ب - الجذاذ والجداد‏:‏

3 - الجذاذ بضمّ الجيم وكسرها، والجداد بفتح الجيم وكسرها، بمعنى القطع، ومنه‏:‏ جدّ النّخل‏:‏ أي صرمه، أي قطع ثمره‏.‏ وكذلك جذّ النّخل جذّا، وجذاذا، صرمه، أي قطع ثمره‏.‏ والفرق بينهما وبين الحصاد أنّ الجذاذ، والجداد خاصّان بالنّخل ونحوه، والحصاد في الزّرع‏.‏ في الحديث‏:‏ ‏{‏نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن جداد اللّيل‏}‏‏.‏ ح - الجزاز‏:‏

4 - الجزاز بفتح الجيم وكسرها كالحصاد، واقع على الحين والأوان، قال الفرّاء‏:‏ جاءنا وقت الجزاز، أي‏:‏ زمن الحصاد‏.‏ وأجزّ النّخل، والبرّ، والغنم‏:‏ حان له أن يجزّ، وأجزّ البرّ والشّعير‏:‏ أي حان حصاده‏.‏ فالجزاز أعمّ من الحصاد والجذاذ، لأنّ الجذاذ أو الجداد خاصّ بالنّخل وأمثاله، والحصاد‏:‏ في الزّرع، وأمّا الجزاز‏:‏ ففي النّخل، والزّرع والصّوف والشّعر‏.‏ وفرّق محمّد بن الحسن بينهما، فذكر أنّ الجداد قبل الإدراك، والجزاز بعده‏.‏ وكلّ من الحصاد والدّياس والجذاذ والجزاز من المواسم المعتادة الّتي اختلف الفقهاء في جواز التّأجيل إليها في المعاملات وغيرها‏.‏

الحكم الإجماليّ

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحصاد من الآجال المجهولة جهالة متقاربة، واختلفوا في جواز التّأجيل إليه‏:‏ فذهب الحنفيّة، والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة، وابن المنذر إلى أنّه لا يجوز التّأجيل إلى الحصاد ونحوه في البيع والسّلم‏:‏ وغيرهما لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في السّلم ‏{‏إلى أجل معلوم‏}‏‏.‏ ولما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ ‏{‏لا تتبايعوا إلى الحصاد والدّياس، ولا تتبايعوا إلاّ إلى أجل معلوم‏}‏‏.‏ ولأنّ ذلك يختلف، ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلا، لأنّه يؤدّي إلى المنازعة‏.‏ ثمّ اختلف هؤلاء الفقهاء في أثر اشتراط التّأجيل إلى الحصاد‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏أجل‏)‏‏.‏

مواطن البحث

6 - قد فصّل الفقهاء الكلام على الحصاد في البيع عند الكلام عن خيار الشّرط وفي السّلم، والإجارة، والمزارعة، والمساقاة، والزّكاة وغيرها وفي كلّ خلاف وتفصيل يرجع فيها إلى مواطنها‏.‏

حصار

التّعريف

1 - الحصار مصدر حاصر، ومثله المحاصرة، أي التّضييق على الشّخص والإحاطة به، والحصير في اللّغة المحبس‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرا‏}‏ أي محبسا‏.‏ وفي اصطلاح الفقهاء هو التّضييق على العدوّ، والإحاطة به في بلد، أو قلعة، أو حصن، أو غيرها، ومنع الخروج والدّخول حتّى يستسلم‏.‏

الحكم الشّرعيّ

2 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز للإمام أو نائبه محاصرة الكفّار في بلادهم، والحصون والقلاع، وتشديد الأمر عليهم بالمنع من الدّخول والخروج، والمنع من الماء والطّعام حتّى يستسلموا وإن كان فيهم النّساء والصّبيان‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم‏}‏ وقد حاصر الرّسول صلى الله عليه وسلم أهل الطّائف‏.‏ وحاصر المسلمون بعده القدس في خلافة عمر رضي اللّه عنه وأرضاه‏.‏ وعلى الإمام إذا حاصر حصنا أو مدينة أن يأخذه بواحدة من خصال خمس‏:‏

أ - أن يسلّموا فيعصموا بالإسلام دماءهم وأموالهم، وأولادهم الصّغار‏.‏

ب - أن يبذلوا مالا على الموادعة فيجوز للإمام قبوله منهم، سواء جعلوه خراجا مستمرّا يؤخذ منهم كلّ عام، أو دفعوه جملة، ولهم أن يدفعوا جزية إن كانوا ممّن تقبل منهم الجزية فيقبل منهم وجوبا‏.‏

ج - أن يفتحه‏.‏

د - أن يرى المصلحة في الانصراف عنهم، إمّا لضرر في الإقامة، وإمّا لليأس منه، وإمّا لمصلحة تفوت بإقامته هناك فينصرف، لما روي ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطّائف فلم ينل منهم شيئا، فقال‏:‏ إنّا قافلون إن شاء اللّه غدا، فقال المسلمون أنرجع عنه ولم تفتحه ‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ اغدوا على القتال، فغدوا عليه فأصابهم الجراح فقال لهم‏:‏ إنّا قافلون غدا فأعجبهم فقفل‏}‏‏.‏

هـ - أن ينزلوا على حكم حاكم فيجوز قبوله‏.‏ لما روي ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم إلى ذلك‏}‏‏.‏ والتّفصيل في مصطلح ‏(‏تحكيم‏)‏‏.‏ ولا يعتبر الحصار ظفرا بهم، فإن أسلم المحصورون أثناء الحصار وقبل الاستسلام عصموا دماءهم وأموالهم، وأولادهم الصّغار، فلا يقتلون ولا يستولى على أموالهم، وإن كان الفتح قريبا‏.‏ أمّا إذا أسلموا بعد الفتح فإنّهم يعصمون دماءهم دون أموالهم‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏جهاد‏)‏‏.‏

حصار البغاة

3 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يجوز للإمام حصار البغاة بمنع الطّعام، أو الشّراب، لأنّ المقصود من قتالهم ردّهم إلى الطّاعة لا إهلاكهم، وهو مقتضى كلام الحنابلة‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ يجوز قتالهم بما يجوز قتال الكفّار به، فيمنع عنهم الميرة والماء، إلاّ أن يكون معهم صبيان ونساء‏.‏ والتّفصيل في ‏(‏بغاة‏)‏‏.‏

فكّ حصار العدوّ بالمال

4 - إذا حاصر العدوّ المسلمين وطلبوا مالا لفكّ الحصار عنهم لم يجبهم الإمام، لما فيه من إعطاء الدّنيّة، وإلحاق المذلّة بأهل الإسلام، إلاّ إذا خاف هلاك المسلمين فيجوز‏.‏ لأنّ ‏{‏النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان لمّا اشتدّ البلاء على المسلمين في وقعة الخندق، وطلب منهما أن يرجعا بمن معهما على أن يعطيهما كلّ سنة ثلث ثمار المدينة، فاستشار النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فقالا‏:‏ يا رسول اللّه إن كان وحيا فامض لما أمرت به، وإن كان رأيا رأيته، لا نعطيهم إلاّ السّيف‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنتم وذاك‏}‏‏.‏ فقد مال النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصّلح بالمال في الابتداء لمّا أحسّ الضّعف بالمسلمين، فلمّا رأى قوّة المسلمين بما قال السّعدان امتنع عن ذلك، ودفع الهلاك عن المسلمين واجب بأيّ طريق ممكن‏.‏

حصر

التّعريف

1 - الحصر مصدر حصره العدوّ أو المرض، أي حبسه عن السّفر‏.‏ قال أبو إسحاق النّحويّ‏:‏ الرّواية عند أهل اللّغة أن يقال للّذي يمنعه الخوف والمرض أحصر، ويقال للمحبوس حصر، وإنّما كان كذلك لأنّ الرّجل إذا امتنع من التّصرّف فقد حصر نفسه، فكأنّ المرض أحبسه أي جعله يحبس نفسه، وقولك‏:‏ حصرته، إنّما هو حبسته، لا أنّه أحبس نفسه، فلا يجوز فيه أحصر‏.‏ وقيل الحصر للحبس بالمرض، والإحصار للحبس بالعدوّ‏.‏ وقال ابن السّكّيت‏:‏ يقال أحصره المرض إذا منعه من السّفر، أو من حاجة يريدها، وأحصره العدوّ إذا ضيّق عليه فحصر أي ضاق صدره‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ حصر الرّجل في الحبس، وأحصر في السّفر من مرض أو انقطاع به، وأمّا الحصر فهو ضيق الصّدر، والبخل، والمنع من الشّيء عجزا، أو حياء، والعيّ في المنطق‏.‏ ومنه حصر القارئ أي منع القراءة‏.‏ واستعمل الفقهاء ‏(‏الحصر‏)‏ بالمعنى اللّغويّ في كتبهم استعمالا كثيرا‏.‏ إلاّ أنّهم غلّبوا استعمال هذه المادّة ‏(‏حصر‏)‏ ومشتقّاتها في باب الحجّ والعمرة للدّلالة على منع المحرم من أركان النّسك، وذلك اتّباعا للقرآن الكريم، وتوافقت على ذلك عباراتهم حتّى أصبح ‏(‏الإحصار‏)‏ اصطلاحا فقهيّا مشهورا‏.‏ ومسائل الإحصار قد تمّ استيفاؤها في مصطلح ‏(‏إحصار‏)‏‏.‏ ولهذه الكلمة معان أخرى مختلفة بحسب العلم المبحوث فيه‏.‏

أحكام الحصر

2 - فيما يلي بعض الأمثلة الّتي وردت في كتب الفقه من أبواب مختلفة، وينظر تفصيلها في مواضعها من الموسوعة وغيرها من كتب الفقه‏.‏

أ - جاء في حاشية ابن عابدين، يجوز عند الصّاحبين أن يستخلف الإمام إذا حصر ببول أو غائط خلافا لأبي حنيفة‏.‏ ‏(‏انظر استخلاف، إمامة الصّلاة، حاقن‏)‏‏.‏ ب - وجاء فيها أيضا‏:‏ للإمام أن يستخلف إذا حصر عن قراءة القدر المفروض، لحديث ‏{‏أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، فإنّه لمّا أحسّ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم حصر عن القراءة فتأخّر فتقدّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأتمّ الصّلاة‏}‏، ولو لم يكن جائزا لما فعله وأقرّه‏.‏ ‏(‏انظر استخلاف - إمامة - صلاة‏)‏‏.‏

ج - وذكر صاحب مواهب الجليل أنّه لو سها الإمام أو حصر فلم يكبّر في صلاة العيد السّبع والخمس وجب على المأمومين أن يكبّروا ‏(‏انظر‏:‏ صلاة العيد‏)‏‏.‏

د - وعند الشّافعيّة يجب على المزكّي أن يستوعب آحاد كلّ صنف من مستحقّي الزّكاة إن كانوا محصورين - أي سهل عدّهم - في البلد الّذي وجبت فيه الزّكاة، ووفّى بهم المال، وإلاّ فيجب إعطاء ثلاثة من كلّ صنف لذكره في الآية بصيغة الجمع‏.‏ ‏(‏وانظر‏:‏ زكاة‏)‏‏.‏

هـ - لا يكلّف القاضي غرماء المفلس، وكذا غرماء الميّت ببيّنة تثبت حصر الدّائن فيهم‏.‏ بخلاف الورثة فإنّ الحاكم لا يقسم عليهم حتّى يكلّفهم ببيّنة تشهد بحصرهم، وموت مورثهم ومرتبتهم من الميّت، لأنّ عددهم معلوم للجيران وأهل البلد فلا كلفة في إثباته، والدّين يقصد إخفاؤه - غالبا - فإثبات حصر الغرماء يتعسّر‏.‏ ‏(‏انظر‏:‏ إفلاس، إرث، تركة، حجر، دين‏)‏‏.‏

و - قال المالكيّة‏:‏ إذا أوصى بثلثه لمجهول غير محصور كقبيلة كبيرة لم يلزم التّعميم، وكغزاة أو فقراء أو مساكين، فلا يلزم تعميمهم ولا التّسوية بينهم، وإنّما يقسم بينهم باجتهاد الوصيّ‏.‏ ‏(‏انظر‏:‏ إيصاء‏)‏‏.‏

ز - لا يكفي في اليمين الإثبات ولو مع الحصر كقوله‏:‏ ما بعت إلاّ بكذا بل لا بدّ من التّصريح مع الإثبات بنفي ما ادّعاه الخصم صريحا، لأنّ الأيمان لا يكتفى فيها باللّوازم، بل لا بدّ من الصّريح، لأنّ فيها نوعا من التّعبّد كقول البائع‏:‏ واللّه ما بعت بكذا وإنّما بعت بكذا‏.‏ ‏(‏انظر‏:‏ أيمان‏)‏‏.‏

ح - اختلف المالكيّة في جلوس أهل العلم مع القاضي، فقال ابن الموّاز‏:‏ لا أحبّ أن يقضي إلاّ بحضرة أهل العلم ومشاورتهم، وقال أشهب‏:‏ إلاّ أن يخاف الحصر ‏(‏أي الضّيق‏)‏ من جلوسهم عنده، وقال سحنون‏:‏ لا ينبغي أن يكون معه في مجلسه من يشغله عن النّظر، كانوا أهل فقه أو غيرهم، فإنّ ذلك يدخل عليه الحصر، وقاله مطرّف وابن الماجشون وأضافا‏:‏ لكن إذا ارتفع من مجلس القضاء شاور‏.‏ ‏(‏انظر‏:‏ قضاء‏)‏‏.‏

ط - قال الشّافعيّة‏:‏ العقود الّتي تفيد الكفّار الأمن ثلاثة‏:‏ أمان، وجزية، وهدنة، لأنّه إن تعلّق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور، فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلاّ فالجزية، وهما مختصّان بالإمام بخلاف الأمان أي فإنّه يجوز لغير الإمام إعطاؤه إذا كان لحربيّين محصورين أي معدودين إلاّ لنحو جاسوس وأسير‏.‏ ‏(‏انظر‏:‏ أمان، جزية، حصار، هدنة، معاهدة‏)‏‏.‏

حضانة

التّعريف

1 - الحضانة في اللّغة‏:‏ مصدر حضن، ومنه حضن الطّائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحيه، وحضنت المرأة بها إذا جعلته في حضنها أو ربّته، والحاضن والحاضنة الموكّلان بالصّبيّ يحفظانه ويربّيانه، وحضن الصّبيّ يحضنه حضنا‏:‏ ربّاه‏.‏ والحضانة شرعا‏:‏ هي حفظ من لا يستقلّ بأموره، وتربيته بما يصلحه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الكفالة 2 - الكفالة لغة الضّمّ، وكفلت المال وبالمال ضمنته، وكفلت الرّجل وبالرّجل كفلا وكفالة، وتكفّلت به ضمنته، والكافل العائل، والكافل والكفيل الضّامن‏.‏ قال ابن الأعرابيّ‏:‏ كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد، وفي التّهذيب‏:‏ وأمّا الكافل فهو الّذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه، وقال ابن بطّال‏:‏ الكفالة بالولد أن يعوله ويقوم بأمره، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفّلها زكريّا‏}‏ وفي المغرب‏:‏ وتركيبه يدلّ على الضّمّ والتّضمين‏.‏ والفقهاء يفردون بابا للكفالة بالدّين أو بالنّفس، ويعرّفونها بأنّها ضمّ ذمّة الكفيل إلى ذمّة الأصيل في المطالبة مطلقا بنفس، أو بدين، أو عين كمغصوب‏.‏ كما يستعملون لفظ الكفالة في باب الحضانة، ويريدون بالكفيل من يعول الصّغير ويقوم بأموره‏.‏ وعلى ذلك فلفظ الكفالة مشترك بين ضمّ الذّمّة وبين الحضانة‏.‏

ب - الولاية‏:‏

3 - الولاية لغة‏:‏ النّصرة، وشرعا‏:‏ القدرة على التّصرّف أو هي‏:‏ تنفيذ القول على الغير‏.‏ وقد يكون مصدرها الشّرع كولاية الأب والجدّ، وقد يكون مصدرها تفويض الغير كالوصاية ونظارة الوقف‏.‏ والولايات متعدّدة كالولاية في المال، وفي النّكاح، وفي الحضانة، وتختلف من تثبت له الولاية من نوع إلى نوع، فقد تكون للرّجال فقط‏.‏ وقد تكون للرّجال والنّساء‏.‏ والحضانة نوع من أنواع الولايات الثّابتة بالشّرع، ويقدّم فيها النّساء على الرّجال‏.‏

ج - الوصاية‏:‏

4 - الوصاية لغة‏:‏ الأمر، وشرعا‏:‏ الأمر بالتّصرّف بعد الموت، كوصيّة الإنسان إلى من يغسّله، أو يصلّي عليه إماما، أو يزوّج بناته ونحو ذلك، فالوصاية ولاية كغيرها، إلاّ أنّها تثبت بتفويض الغير، أمّا الحضانة فهي ثابتة بالشّرع، وقد يكون الوصيّ حاضنا‏.‏ الحكم التّكليفيّ‏:‏

5 - الحضانة واجبة شرعا، لأنّ المحضون قد يهلك، أو يتضرّر بترك الحفظ، فيجب حفظه عن الهلاك، محكمها الوجوب العينيّ إذا لم يوجد إلاّ الحاضن، أو وجد ولكن لم يقبل الصّبيّ غيره، والوجوب الكفائيّ عند تعدّد الحاضن‏.‏

صفة المحضون ‏(‏من ثبت عليه الحضانة‏)‏

6 - تثبت الحضانة على الصّغير باتّفاق الفقهاء وكذلك الحكم عند الجمهور - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وفي قول عند المالكيّة - بالنّسبة للبالغ المجنون والمعتوه‏.‏ والمشهور عند المالكيّة أنّ الحضانة تنقطع في الذّكور بالبلوغ ولو كان زمنا أو مجنونا‏.‏

مقتضى الحضانة

7 - مقتضى الحضانة حفظ المحضون وإمساكه عمّا يؤذيه، وتربيته لينمو، وذلك بعمل ما يصلحه، وتعهّده بطعامه وشرابه، وغسله وغسل ثيابه، ودهنه، وتعهّد نومه ويقظته‏.‏

حقّ الحضانة

8 - لكلّ من الحاضن والمحضون حقّ في الحضانة، فهي حقّ الحاضن بمعنى أنّه لو امتنع عن الحضانة لا يجبر عليها، لأنّها غير واجبة عليه، ولو أسقط حقّه فيها سقط، وإذا أراد العود وكان أهلا لها عاد إليه حقّه عند الجمهور، لأنّه حقّ يتجدّد بتجدّد الزّمان‏.‏ وهي حقّ المحضون بمعنى أنّه لو لم يقبل المحضون غير أمّه أو لم يوجد غيرها، أو لم يكن للأب ولا للصّغير مال، تعيّنت الأمّ للحضّانة وتجبر عليها، ولذلك يقول الحنفيّة‏:‏ لو اختلعت‏.‏ الزّوجة على أن تترك ولدها عند الزّوج صحّ الخلع وبطل الشّرط‏.‏ وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏ ويوافقهم المالكيّة في المشهور عندهم، غير أنّهم يخالفون الجمهور في عودة الحقّ بعد الإسقاط، فعندهم إذا أسقط الحاضن حقّه في الحضانة دون عذر بعد وجوبها سقط حقّه ولا يعود إليه الحقّ بعد ذلك لو أراد، ومقابل المشهور يعود إليه حقّه بناء على أنّها حقّ المحضون‏.‏

المستحقّون للحضانة وترتيبهم

9 - الحضانة تكون للنّساء والرّجال من المستحقّين لها، إلاّ أنّ النّساء يقدّمن على الرّجال، لأنّهنّ أشفق وأرفق، وبها أليق وأهدى إلى تربية الصّغار، ثمّ تصرف إلى الرّجال لأنّهم على الحماية والصّيانة وإقامة مصالح الصّغار أقدر‏.‏ وحضانة الطّفل تكون للأبوين إذا كان النّكاح قائما بينهما، فإن افترقا فالحضانة لأمّ الطّفل باتّفاق، لما ورد ‏{‏أنّ امرأة أتت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول اللّه‏:‏ إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنّه ينزعه منّي، فقال‏:‏ أنت أحقّ به ما لم تنكحي‏}‏‏.‏ ولكلّ أهل مذهب طريقة خاصّة في ترتيب مستحقّي الحضانة بعد الأمّ ومن يقدّم عند الاستواء في الاستحقاق‏.‏ مع مراعاة أنّ الحضانة لا تنتقل من المستحقّ إلى من بعده من المستحقّين إلاّ إذا أسقط المستحقّ حقّه في الحضانة أو سقطت لمانع‏.‏ وبيان ترتيب المذاهب للمستحقّين هو كما يلي‏:‏

10 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ أمّ الأمّ تلي الأمّ في الحضانة إذا سقطت حضانة الأمّ لمانع، ثمّ أمّ الأب وإن علت، ثمّ الأخت لأبوين، ثمّ الأخت لأمّ، ثمّ الأخت لأب، ثمّ بنت الأخت لأبوين، ثمّ لأمّ، ثمّ الخالات لأبوين، ثمّ لأمّ، ثمّ لأب، ثمّ بنت الأخت لأب ‏(‏وتأخيرها عن الخالات هو الصّحيح‏)‏‏.‏ ثمّ بنات الأخ لأبوين، ثمّ لأمّ، ثمّ لأب، ثمّ العمّات لأبوين، ثمّ لأمّ، ثمّ لأب، ثمّ خالة الأمّ، ثمّ خالة الأب، ثمّ عمّات الأمّهات والآباء، ثمّ العصبات من الرّجال بترتيب الإرث، فيقدّم الأب، ثمّ الجدّ، ثمّ الأخ الشّقيق، ثمّ لأب، ثمّ بنوه كذلك، ثمّ العمّ، ثمّ بنوه‏.‏ وإذا اجتمعوا قدّم الأورع ثمّ الأسنّ، ثمّ إذا لم يكن عصبة انتقل حقّ الحضانة لذوي الأرحام الذّكور إذا كانوا من المحارم، فيقدّم الجدّ لأمّ، ثمّ يقدّم الأخ لأمّ، ثمّ لابنه، ثمّ للعمّ لأمّ، ثمّ للخال لأبوين، ثمّ للخال لأمّ، فإن تساووا فأصلحهم، ثمّ أورعهم ثمّ أكبرهم‏.‏

11 - وذهب المالكيّة إلى أنّ الأحقّ بالحضانة بعد الأمّ أمّ الأمّ، ثمّ جدّة الأمّ، وتقدّم من كانت من جهة الأمّ على من كانت من جهة الأب، ثمّ خالة المحضون الشّقيقة، ثمّ الّتي للأمّ، ثمّ الّتي للأب، ثمّ خالة الأمّ الشّقيقة، ثمّ الّتي للأمّ، ثمّ الّتي للأب، ثمّ عمّة الأمّ، ثمّ الجدّة لأب ‏(‏وتشمل أمّ الأب وأمّ أمّه وأمّ أبيه وتقدّم القربى على البعدى‏)‏ ثمّ بعد الجدّة من جهة الأب تكون الحضانة للأب، ثمّ أخت المحضون الشّقيقة، ثمّ الّتي للأمّ، ثمّ الّتي للأب، ثمّ العمّة، ثمّ عمّة الأب على التّرتيب المذكور، ثمّ خالة الأب‏.‏ ثمّ اختلف بعد ذلك في تقديم بنت الأخ أو بنت الأخت أو تقديم الأكفأ منهنّ وهو أظهر الأقوال، ثمّ الوصيّ، ثمّ الأخ، ثمّ الجدّ من جهة الأب، ثمّ ابن الأخ، ثمّ العمّ، ثمّ ابن العمّ، ثمّ المولى الأعلى، وهو المعتق، ثمّ المولى الأسفل وهو المعتق‏.‏ واختلف في حضانة الجدّ لأمّ، فمنع ذلك ابن رشد، واختار اللّخميّ أنّ له حقّا في الحضانة، ومرتبته تكون بعد مرتبة الجدّ لأب‏.‏ ويقدّم عند التّساوي الأكثر صيانة وشفقة، ثمّ الأكبر سنّا عند التّساوي في ذلك، ثمّ القرعة عند التّساوي في كلّ شيء‏.‏

12 - وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الأحقّ بالحضانة بعد الأمّ البنت، ثمّ أمّهات الأمّ اللّاتي يدلين بإناث وارثات تقدّم القربى فالقربى، ثمّ الصّحيح بعد ذلك - على الجديد - تنتقل الحضانة إلى أمّ الأب، وإنّما قدّمت أمّهات الأمّ على أمّ الأب لوفور شفقتهنّ ولأنّهنّ أقوى ميراثا من أمّهات الأب، ثمّ بعد أمّ الأب أمّهاتها المدليات بإناث وارثات، ثمّ أمّ أبي الأب، ثمّ أمّهاتها المدليات بإناث وارثات، ثمّ أمّ أبي الجدّ ثمّ أمّهاتها المدليات بإناث وارثات، وتقدّم من كلّ ذلك القربى فالقربى، ثمّ الأخت الشّقيقة ثمّ الّتي لأب - على الأصحّ - ثمّ الّتي لأمّ، ثمّ لخالة بهذا التّرتيب على الأصحّ، ثمّ بنت الأخت، ثمّ بنت الأخ، ثمّ العمّة من الأب والأمّ، ثمّ العمّة من الأب، ثمّ العمّة من الأمّ‏.‏ وعلى القديم يقدّم الأخوات والخالات على أمّهات الأب والجدّ، أمّا الأخوات فلأنّهنّ اجتمعن معه في الصّلب والبطن، وأمّا الخالات لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏الخالة بمنزلة الأمّ‏}‏‏.‏ والأصحّ إثبات حقّ الحضانة للإناث غير المحارم كبنت الخالة، وبنت العمّة، وبنت الخال، وبنت العمّ لشفقتهنّ بالقرابة وهدايتهنّ إلى التّربية بالأنوثة، ومقابل الأصحّ لا حقّ لهنّ في الحضانة‏.‏ أمّا بالنّسبة لحضانة الرّجال فقد ذكر الشّافعيّة أنّها تثبت لكلّ محرم وارث على ترتيب الإرث عند الاجتماع، فيقدّم أب، ثمّ جدّ وإن علا، ثمّ أخ شقيق، ثمّ لأب، وهكذا كترتيب ولاية النّكاح، كما تثبت الحضانة لغير المحرم إن كان وارثا كابن العمّ، وهذا على الصّحيح لوفور شفقته بالولاية، ومقابل الصّحيح لا حضانة له لفقد المحرميّة‏.‏ فإن فقد الذّكر الإرث والمحرميّة معا كابن الخال وابن العمّة، أو فقد الإرث فقط مع بقاء المحرميّة كالخال وأبي الأمّ، فلا حضانة لهم في الأصحّ، ومقابل الأصحّ لهم الحضانة لشفقتهم بالقرابة‏.‏ وإذا اجتمع للمحضون مستحقّون من الذّكور والإناث قدّمت الأمّ، ثمّ أمّهات الأمّ المدليات بإناث، ثمّ الأب، وقيل تقدّم الخالة والأخت من الأمّ على الأب، ويقدّم الأصل على الحاشية مطلقا ذكرا كان أو أنثى، كالأخ والأخت لقوّة الأصول، فإن فقد الأصل وهناك حواش فالأصحّ أن يقدّم من الحواشي الأقرب فالأقرب كالإرث ذكرا كان أو أنثى، وإن استووا وفيهم ذكر وأنثى، فالأنثى مقدّمة على الذّكر‏.‏ وإن استوى اثنان من كلّ وجه كأخوين وأختين، وخالتين، أقرع بينهما قطعا للنّزاع‏.‏ ومقابل الأصحّ أنّ نساء القرابة وإن بعدن أحقّ بالحضانة من الذّكور وإن كانوا عصبات، لأنّهنّ أصلح للحضانة‏.‏ قال البيضاويّ‏:‏ إن تزاحموا قدّمت في الأصول الأمّ ما لم تنكح أجنبيّا، ثمّ الجدّة، ثمّ المدلية بها، لأنّها بالإناث أليق، ثمّ الأب، ثمّ المدلية به، ثمّ الجدّ، ثمّ المدلية به، ثمّ الأخت، ثمّ الأخ، ثمّ الخالات، ثمّ بنت الأخت، ثمّ بنت الأخ، ثمّ ابنه، ثمّ العمّ، ثمّ ابنته، ثمّ ابنه، وتسلّم المراهقة إلى ثقة، وقدّم ولد الأبوين ثمّ الأب، ثمّ الأمّ‏.‏ ثمّ أبو الأمّ‏.‏ ثمّ الخال‏.‏ وقيل‏:‏ لا حقّ لهما، ولا لابن ولد الأمّ، لعدم الأنوثة والإرث‏.‏

13 - وذهب الحنابلة إلى أنّ الأحقّ بالحضانة بعد الأمّ أمّهاتها القربى فالقربى، ثمّ الأب، ثمّ أمّهات الأب القربى فالقربى، ثمّ الجدّ، ثمّ أمّهات الجدّ القربى فالقربى، ثمّ الأخت لأبوين، ثمّ الأخت لأمّ، ثمّ لأب، ثمّ الخالة لأبوين، ثمّ الخالة لأمّ، ثمّ الخالة لأب، ثمّ العمّة لأبوين، ثمّ لأمّ، ثمّ لأب، ثمّ خالة أمّه كذلك، ثمّ خالة أبيه، ثمّ عمّة أبيه، ثمّ بنات إخوته وبنات أخواته، ثمّ بنات أعمامه وبنات عمّاته، ثمّ بنات أعمام أبيه وبنات عمّات أبيه، تقدّم من كلّ ذلك من كانت لأبوين ثمّ من كانت لأمّ، ثمّ من كانت لأب‏.‏ ثمّ تكون الحضانة لباقي العصبة الأقرب فالأقرب‏.‏ فإن كان المحضون أنثى فالحضانة عليها للعصبة من محارمها ولو برضاع ونحوه كمصاهرة، وهذا متى بلغت الأنثى المحضونة سبعا، فلا حضانة عليها بعد السّبع لابن العمّ ونحوه إن لم يكن محرما لها برضاع أو مصاهرة‏.‏ هذا ما حرّره صاحب كشّاف القناع، وقال عنه ابن قدامة إنّه المشهور في المذهب‏.‏ وذكر ابن قدامة بعض الرّوايات الأخرى عن الإمام أحمد، فعنه أنّ أمّ الأب وأمّهاتها مقدّمات على أمّ الأمّ، وعلى هذه الرّواية يكون الأب أولى بالتّقديم، فيكون الأب بعد الأمّ ثمّ أمّهاته‏.‏ كما حكي عن أحمد أنّ الأخت من الأمّ والخالة أحقّ من الأب، فتكون الأخت من الأبوين أحقّ منه ومن جميع العصبات‏.‏ وأمّا ترتيب الرّجال فأولاهم الأب، ثمّ الجدّ، أبو الأب وإن علا، ثمّ الأخ من الأبوين، ثمّ الأخ من الأب، ثمّ بنوهم وإن نزلوا على ترتيب الميراث، ثمّ العمومة، ثمّ بنوهم كذلك، ثمّ عمومة الأب، ثمّ بنوهم‏.‏ وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة وتساووا، كأخوين شقيقين قدّم المستحقّ منهم بالقرعة‏.‏ وإذا لم يكن للحاضن أحد ممّن ذكر انتقلت الحضانة لذوي الأرحام في أحد الوجهين وهو الأولى، لأنّ لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى، فيقدّم أبو أمّ، ثمّ أمّهاته، ثمّ أخ من أمّ، ثمّ خال، ثمّ حاكم يسلّمه إلى من يحضنه من المسلمين‏.‏ وفي الوجه الآخر لا حقّ لذوي الأرحام من الرّجال وينتقل الأمر للحاكم‏.‏ وفي كلّ موطن اجتمع فيه أخ وأخت، أو عمّ وعمّة، أو ابن أخ وبنت أخ، أو ابن أخت وبنت أخت قدّمت الأنثى على من في درجتها من الذّكور، لأنّ الأنوثة هنا مع التّساوي توجب الرّجحان‏.‏

ما يشترط فيمن يستحقّ الحضانة

14 - الحضانة من الولايات والغرض منها صيانة المحضون ورعايته، وهذا لا يتأتّى إلاّ إذا كان الحاضن أهلا لذلك، ولهذا يشترط الفقهاء شروطا خاصّة لا تثبت الحضانة إلاّ لمن توفّرت فيه، وهي أنواع ثلاثة‏:‏ شروط عامّة في النّساء والرّجال، وشروط خاصّة بالنّساء، وشروط خاصّة بالرّجال‏.‏ أمّا الشّروط العامّة فهي‏:‏

1 - الإسلام‏.‏ وذلك إذا كان المحضون مسلما، إذ لا ولاية للكافر على المسلم، وللخشية على المحضون من الفتنة في دينه، وهذا شرط عند الشّافعيّة والحنابلة وبعض فقهاء المالكيّة، ومثله مذهب الحنفيّة بالنّسبة للحاضن الذّكر‏.‏‏.‏ أمّا عند المالكيّة في المشهور عندهم وعند الحنفيّة بالنّسبة للحاضنة الأنثى، فلا يشترط الإسلام إلاّ أن تكون المرأة مرتدّة، لأنّها تحبس وتضرب - كما يقول الحنفيّة - فلا تتفرّغ للحضانة‏.‏ أمّا غير المسلمة - كتابيّة كانت أو مجوسيّة - فهي كالمسلمة في ثبوت حقّ الحضانة، قال الحنفيّة‏:‏ ما لم يعقل المحضون الدّين، أو يخشى أن يألف الكفر فإنّه حينئذ ينزع منها ويضمّ إلى أناس من المسلمين، لكن عند المالكيّة إن خيف عليه فلا ينزع منها، وإنّما تضمّ الحاضنة لجيران مسلمين ليكونوا رقباء عليها‏.‏

2 - البلوغ والعقل، فلا تثبت الحضانة لطفل ولا لمجنون، أو معتوه، لأنّ هؤلاء عاجزون عن إدارة أمورهم وفي حاجة لمن يحضنهم، فلا توكل إليهم حضانة غيرهم، وهذا باتّفاق في الجملة حيث إنّ للمالكيّة تفصيلا في شرط البلوغ‏.‏

3 - الأمانة في الدّين، فلا حضانة لفاسق، لأنّ الفاسق لا يؤتمن، والمراد‏:‏ الفسق الّذي يضيع المحضون به، كالاشتهار بالشّرب، والسّرقة، والزّنى واللّهو المحرّم، أمّا مستور الحال فتثبت له الحضانة‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ الحاصل أنّ الحاضنة إن كانت فاسقة فسقا يلزم منه ضياع الولد عندها سقط حقّها، وإلاّ فهي أحقّ به إلى أن يعقل الولد فجور أمّه فينزع منها، وقال الرّمليّ‏:‏ يكفي مستورها أي مستور العدالة‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ والحاضن محمول على الأمانة حتّى يثبت عدمها‏.‏

4 - القدرة على القيام بشأن المحضون، فلا حضانة لمن كان عاجزا عن ذلك لكبر سنّ، أو مرض يعوق عن ذلك، أو عاهة كالعمى والخرس والصّمم، أو كانت الحاضنة تخرج كثيرا لعمل أو غيره وتترك الولد ضائعا، فكلّ هؤلاء لا حضانة لهم إلاّ إذا كان لديهم من يعنى بالمحضون، ويقوم على شؤونه، فحينئذ لا تسقط حضانتهم‏.‏

5- ألاّ يكون بالحاضن مرض معد، أو منفّر يتعدّى ضرره إلى المحضون، كالجذام، والبرص وشبه ذلك من كلّ ما يتعدّى ضرره إلى المحضون‏.‏

6- الرّشد‏:‏ وهو شرط عند المالكيّة والشّافعيّة، فلا حضانة لسفيه مبذّر لئلاّ يتلف مال المحضون‏.‏

7- أمن المكان بالنّسبة للمحضون الّذي بلغ سنّا يخشى عليه فيه الفساد، أو ضياع ماله، فلا حضانة لمن يعيش في مكان مخوف يطرقه المفسدون والعابثون‏.‏ وقد صرّح بهذا الشّرط المالكيّة‏.‏

8- عدم سفر الحاضن أو الوليّ سفر نقلة على التّفصيل المذكور في ‏(‏مكان الحضانة‏)‏‏.‏

أمّا الشّروط الخاصّة بالحاضنين من الرّجال فهي‏:‏

أ - أن يكون محرما للمحضون إذا كانت المحضونة أنثى مشتهاة فلا حضانة لابن العمّ لأنّه ليس محرما، ولأنّه يجوز له نكاحها فلا يؤتمن عليها، فإن كانت المحضونة صغيرة لا تشتهى، ولا يخشى عليها فلا تسقط حضانة ابن عمّها‏.‏ وإذا لم يكن للمشتهاة غير ابن العمّ، وضعت عند أمينة يختارها ابن العمّ، كما يقول الشّافعيّة والحنابلة، أو يختارها القاضي كما يقول الحنفيّة إذا لم يكن ابن عمّها أصلح لها، وإلاّ أبقاها القاضي عنده، وعند المالكيّة يسقط حقّ الحضانة لغير المحرم‏.‏ وأجاز الشّافعيّة أن تضمّ لابن عمّها إذا كانت له بنت يستحى منها، فإنّها تجعل عنده مع بنته‏.‏

ب - يشترط المالكيّة لثبوت الحضانة للذّكر أن يكون عنده من النّساء من يصلح للحضانة كزوجة، أو أمة، أو مستأجرة لذلك، أو متبرّعة‏.‏ وأمّا الشّروط الخاصّة بالحواضن من النّساء فهي‏:‏ أوّلا - ألاّ تكون الحاضنة متزوّجة من أجنبيّ من المحضون، لأنّها تكون مشغولة بحقّ الزّوج، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏أنت أحقّ به ما لم تنكحي‏}‏، فلا حضانة لمن تزوّجت بأجنبيّ من المحضون، وتسقط حضانتها من حين العقد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وبالدّخول عند المالكيّة، وهو احتمال لابن قدامة في المغني‏.‏ واستثنى المالكيّة حالات لا يسقط فيها حقّ الحاضنة بتزوّجها من أجنبيّ من المحضون وهي‏:‏

أ - أن يعلم من له حقّ الحضانة بعدها بدخول زوجها بها، وسقوط حقّها في الحضانة ويسكت - بعد علمه بذلك بلا عذر - سنة فلا تسقط حضانتها حينئذ‏.‏

ب - ألاّ يقبل المحضون غير مستحقّة الحضانة أمّا أو غيرها - فلا تسقط بدخول الزّوج بها في هذه الحالة‏.‏

ج - ألا تقبل المرضعة أن ترضعه عند بدل أمّه الّذي انتقلت له الحضانة بسبب تزوّج الأمّ‏.‏

د - ألاّ يكون للولد حاضن غير الحاضنة الّتي دخل الزّوج بها، أو يكون له حاضن غيرها ولكنّه غير مأمون، أو عاجز عن القيام بمصالح المحضون‏.‏

هـ - ألاّ تكون الحاضنة الّتي تزوّجت بأجنبيّ وصيّة على المحضون، وذلك في رواية عند المالكيّة، وفي رواية أخرى عندهم لا يشترط ذلك‏.‏ هذا بالنّسبة لزواج الحاضنة من أجنبيّ من المحضون، فإن تزوّجت بذي رحم محرم من المحضون كالجدّة إذا تزوّجت بجدّ الصّبيّ، أو تزوّجت بقريب ولو غير محرم من المحضون كابن عمّه فلا تسقط حضانتها، وهذا عند الجمهور - المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة - في الأصحّ، ومقابل الأصحّ عندهم يسقط حقّها لاشتغالها بالزّوج‏.‏ واشترط الشّافعيّة والحنابلة أن يكون من نكحته ممّن له حقّ في الحضانة، لأنّ شفقته تحمله على رعايته فيتعاونان على ذلك‏.‏ كما اشترط الشّافعيّة رضا الزّوج، وقيّد الحنفيّة بقاء الحضانة بما إذا كان الزّوج رحما محرما، فلو كان غير محرم كابن العمّ سقطت حضانتها‏.‏ ثانيا - أن تكون الحاضنة ذات رحم محرم من المحضون كأمّه وأخته، فلا حضانة لبنات العمّ والعمّة، والخال والخالة، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة وليس هذا شرطا عند الشّافعيّة والحنابلة، وصرّح الشّافعيّة بأنّه لا تثبت الحضانة لبنت العمّ على الذّكر المشتهى، وهو قول نقله ابن عابدين من الحنفيّة‏.‏ ثالثا - ألاّ تقيم الحاضنة بالمحضون في بيت من يبغض المحضون ويكرهه، كما لو تزوّجت الأمّ وأخذته أمّ الأمّ، وأقامت بالمحضون مع الأمّ فحينئذ تسقط حضانة أمّ الأمّ إذا كانت في عيال زوج الأمّ، وهذا عند الحنفيّة‏.‏ وهو المشهور عند المالكيّة‏.‏ رابعا - ألاّ تمتنع الحاضنة عن إرضاع الطّفل إذا كانت أهلا له، وكان محتاجا للرّضاع وهذا في الصّحيح عند الشّافعيّة‏.‏

مكان الحضانة وحكم انتقال الحاضن أو الوليّ

15 - مكان الحضانة هو المسكن الّذي يقيم فيه والد المحضون إذا كانت الحاضنة أمّه وهي في زوجيّة أبيه، أو في عدّته من طلاق رجعيّ أو بائن‏.‏ ذلك أنّ الزّوجة ملزمة بمتابعة زوجها والإقامة معه حيث يقيم، والمعتدّة يلزمها البقاء في مسكن الزّوجيّة حتّى تنقضي العدّة سواء مع الولد أو بدونه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة‏}‏‏.‏ وإذا انقضت عدّة الأمّ فمكان الحضانة هو البلد الّذي يقيم فيه والد المحضون أو وليّه، وكذلك إذا كانت الحاضنة غير الأمّ، لأنّ للأب حقّ رؤية المحضون، والإشراف على تربيته، وذلك لا يتأتّى إلاّ إذا كان الحاضن يقيم في بلد الأب أو الوليّ‏.‏ هذا قدر مشترك بين المذاهب، وهو ما صرّح به الحنفيّة وتدلّ عليه عبارات المذاهب الأخرى‏.‏ أمّا مسألة انتقال الحاضن، أو الوليّ إلى مكان آخر ففيه اختلاف المذاهب، وبيان ذلك كما يلي‏:‏ يفرّق جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - بين سفر الحاضنة، أو الوليّ للنّقلة والانقطاع والسّكنى في مكان آخر، وبين السّفر لحاجة كالتّجارة والزّيارة‏.‏ فإن كان سفر أحدهما ‏(‏الحاضنة أو الوليّ‏)‏ للنّقلة والانقطاع سقطت حضانة الأمّ، وتنتقل لمن هو أولى بالحضانة بعدها بشرط أن يكون الطّريق آمنا، والمكان المنتقل إليه مأمونا بالنّسبة للصّغير، والأب هو الأولى بالمحضون سواء أكان هو المقيم أم المنتقل، لأنّ الأب في العادة هو الّذي يقوم بتأديب الصّغير، وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع، لكن قيّد الحنابلة أولويّة الأب بما إذا لم يرد مضارّة الأمّ وانتزاع الولد منها، فإذا أراد ذلك لم يجب إليه، بل يعمل ما فيه مصلحة الولد‏.‏ وإن سافرت الأمّ مع الأب بقيت على حضانتها‏.‏ هذا قول الجمهور، لكنّهم اختلفوا في تحديد مسافة السّفر‏.‏ فحدّدها المالكيّة بستّة برد فأكثر على المعتمد، أو مسافة بريدين على قول، والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه لا فرق بين السّفر الطّويل والقصير، والصّحيح من المذهب عند الحنابلة التّحديد بمسافة القصر، وهو قول عند الشّافعيّة، والمنصوص عن الإمام أحمد أنّه إذا كان بين البلدين قرب بحيث يراهم الأب كلّ يوم ويرونه فتكون الأمّ على حضانتها‏.‏ وإن كان السّفر لحاجة كتجارة وزيارة كان الولد مع المقيم منهما حتّى يعود المسافر، وسواء أكان السّفر طويلا أم قصيرا، وكذا يكون الولد مع المقيم لو كان الطّريق أو المكان المنتقل إليه غير آمن في سفر النّقلة والانقطاع‏.‏ وإن اختلف الأب والأمّ فقال الأب‏:‏ سفري للإقامة، وقالت الأمّ سفرك للحاجة، فالقول قول الأب مع يمينه‏.‏ وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة وزاد الشّافعيّة أنّه إن كان المقيم الأمّ وكان في مقامه معها مفسدة أو ضياع مصلحة، كعدم تعليم الصّبيّ القرآن، أو حرفة حيث لا يقوم مقام الأب غيره في ذلك، فالمتّجه كما قال الزّركشيّ تمكين الأب من السّفر به، لا سيّما إن اختاره الولد‏.‏ وعند المالكيّة إن كان سفر أحدهما - الحاضنة أو الوليّ - لتجارة أو زيارة فلا تسقط حضانة الأمّ، وتأخذه معها إن سافرت، ويبقى معها إن سافر الأب، وسواء أكانت مسافة السّفر ستّة برد أم أقل أم أكثر على ما قاله الأجهوريّ وعبد الباقي، وقال إبراهيم اللّقانيّ والخرشيّ والعدويّ‏:‏ لا تأخذ الولد معها إلاّ إذا كان السّفر قريبا كبريد، فإن بعد فلا تأخذه، وإن كانت حضانتها باقية‏.‏ أمّا الحنفيّة فقد ذهبوا إلى أنّه لا يجوز للأمّ الحاضنة الّتي في زوجيّة الأب أو في عدّته الخروج إلى بلد آخر، وللزّوج منعها من ذلك‏.‏ أمّا إن كانت منقضية العدّة فإنّه يجوز لها الخروج بالمحضون إلى بلد آخر في الأحوال الآتية‏:‏

1 - إذا خرجت إلى بلدة قريبة بحيث يمكن لأبيه رؤيته والعودة في نهاره على ألاّ يكون المكان الّذي انتقلت إليه أقلّ حالا من المكان الّذي تقيم فيه حتّى لا تتأثّر أخلاق الصّبيّ‏.‏

2 - إذا خرجت إلى مكان بعيد مع تحقّق الشّروط الآتية‏:‏

أ - أن يكون البلد الّذي انتقلت إليه وطنها‏.‏

ب - أن يكون الزّوج قد عقد نكاحه عليها في هذا البلد‏.‏

ج - ألاّ يكون المكان الّذي انتقلت إليه دار حرب إذا كان الزّوج مسلما أو ذمّيّا‏.‏ فإذا تحقّقت هذه الشّروط جاز لها السّفر بالمحضون إلى هذا المكان البعيد، لأنّ المانع من السّفر أصلا هو ضرر التّفريق بين الأب وبين ولده، وقد رضي به لوجود دليل الرّضا وهو التّزوّج بها في بلدها لأنّ من تزوّج امرأة في بلدها فالظّاهر أنّه يقيم فيه، والولد من ثمرات النّكاح فكان راضيا بحضانة الولد في ذلك البلد، فكان راضيا بالتّفريق، وعلى ذلك فليس لها أن تنتقل بولدها إلى بلدها إذا لم يكن عقد النّكاح قد وقع فيه، ولا أن تنتقل إلى البلد الّذي وقع فيه عقد النّكاح إذا لم يكن بلدها، لأنّه لم يوجد دليل الرّضا من الزّوج، فلا بدّ من تحقّق الشّرطين على ما ذكر محمّد في الأصل، واعتبر أبو يوسف مكان العقد فقط‏.‏ أمّا شرط ألاّ يكون المكان حربيّا إذا كان الزّوج مسلما أو ذمّيّا فلما في ذلك من إضرار بالصّبيّ لأنّه يتخلّق بأخلاق الكفّار‏.‏ هذا إذا كانت الحاضنة هي الأمّ فإن كانت غيرها فلا يجوز لها الخروج بالصّغير إلى أيّ مكان إلاّ بإذن الأب لعدم العقد بينهما كما يرى الحنفيّة أنّه ليس للأب أو الوليّ أخذ الصّغير ممّن له الحضانة من النّساء والانتقال به من بلد أمّه بلا رضاها ما بقيت حضانتها قائمة، ولا يسقط حقّها في الحضانة بانتقاله، وسواء أكان المكان الّذي ينتقل إليه قريبا أم بعيدا‏.‏

أجرة الحضانة

16 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الحاضنة لها الحقّ في طلب أجرة على الحضانة، سواء أكانت الحاضنة أمّا أم غيرها، لأنّ الحضانة غير واجبة على الأمّ، ولو امتنعت من الحضانة لم تجبر عليها في الجملة‏.‏ ومؤنة الحضانة تكون في مال المحضون‏.‏ فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، لأنّها من أسباب، الكفاية كالنّفقة‏.‏ والأجرة على الحضانة للأمّ هي أجرة المثل، قال الحنابلة‏:‏ ولو مع وجود متبرّعة بالحضانة، لكنّ الشّافعيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم توجد متبرّعة، ولا من ترضى بأقلّ من أجرة المثل، فإن وجدت متبرّعة أو وجدت من ترضى بأقلّ من أجرة المثل سقطت حضانة الأمّ وقيل‏:‏ إنّ حضانة الأمّ لا تسقط وتكون أحقّ بالحضانة إذا طلبت أجرة المثل، وإن تبرّعت بها أجنبيّة أو رضيت بأقلّ من أجرة المثل، وهذا على ما بحثه أبو زرعة‏.‏ وصرّح الحنفيّة بأنّه إذا كانت الحاضنة أمّا في عصمة أبي المحضون أو معتدّة رجعيّة منه فلا تستحقّ أجرة على الحضانة لوجوب ذلك عليها ديانة، لأنّه يكون في معنى الرّشوة، وهو رواية أيضا في المعتدّة من طلاق بائن‏.‏ وإن كانت الحاضنة غير الأمّ أو كانت أمّا مطلّقة وانقضت عدّتها، أو في عدّة الطّلاق البائن في رواية، فإنّها تستحقّ الأجرة من مال الصّغير إن كان له مال، وإلاّ فمن مال أبيه أو من تلزمه نفقته، وهذا ما لم توجد متبرّعة، فإن وجدت متبرّعة بالحضانة، فإن كانت غير محرم للمحضون فإنّ الأمّ تقدّم عليها ولو طلبت أجرا، ويكون لها أجر المثل، وإن كانت المتبرّعة محرما للمحضون فإنّه يقال للأمّ‏:‏ إمّا أن تمسكيه مجّانا وإمّا أن تدفعيه للمتبرّعة، لكنّ هذا مقيّد بقيدين‏:‏

أ - إعسار الأب سواء أكان للصّغير مال أم لا‏.‏

ب - يسار الأب مع وجود مال للصّغير صونا لمال الصّغير، لأنّها في هذه الحالة تكون في مال الصّغير‏.‏ فإن كان الأب موسرا ولا مال للصّغير فتقدّم الأمّ وإن طلبت الأجرة نظرا للصّغير‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّه لا أجرة على الحضانة وهو قول مالك الّذي رجع إليه، وبه أخذ ابن القاسم، وقال مالك أوّلا‏:‏ ينفق على الحاضنة من مال المحضون، قال في المنح‏:‏ والخلاف إذا كانت الحاضنة غنيّة، أمّا إذا كانت فقيرة فينفق عليها من مال المحضون لعسرها لا للحضانة‏.‏

أجرة مسكن الحضانة

17 - اختلف فقهاء الحنفيّة في وجوب أجر المسكن للحاضنة إذا لم تكن في مسكن الأب، فقال بعضهم‏:‏ على الأب سكنى الحاضنة وهو المختار عند نجم الأئمّة، وبمثله قال أبو حفص فقد سئل عمّن لها إمساك الولد وليس لها مسكن مع الولد فقال‏:‏ على الأب سكناهما جميعا، واستظهر الخير الرّمليّ اللّزوم على من تلزمه نفقته‏.‏ وقال آخرون‏:‏ تجب أجرة السّكن للحاضنة إن كان للصّبيّ مال، وإلاّ فعلى من تجب نفقته‏.‏ ونقل ابن عابدين عن البحر أنّه لا تجب في الحضانة أجرة المسكن، ورجّح ذلك في النّهر، لأنّ وجوب الأجر ‏(‏أي أجر الحضانة‏)‏ لا يستلزم وجوب المسكن واختاره ابن وهبان والطّرسوسيّ‏.‏ قال ابن عابدين - بعد نقله لهذه الأقوال -‏:‏ والحاصل أنّ الأوجه لزوم أجرة المسكن على من لزمه نفقة المحضون، فإنّ السّكن من النّفقة، لكنّ هذا إذا لم يكن لها مسكن، أمّا لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعا لها فلا تجب الأجرة لعدم احتياجه إليه‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ فينبغي أن يكون هذا توفيقا بين القولين، ولا يخفى أنّ هذا هو الأرفق للجانبين فليكن عليه العمل‏.‏ وعند المالكيّة‏:‏ ما يخصّ المحضون من أجرة المسكن فهو على الأب باتّفاق وإنّما الخلاف فيما يخصّ الحاضنة من أجرة المسكن‏.‏ ومذهب المدوّنة الّذي عليه الفتوى أنّ أجرة المسكن على الأب للمحضون والحاضنة معا‏.‏ وقيل‏:‏ تؤدّي الحاضنة حصّتها من الكراء‏.‏ وقيل‏:‏ تكون الأجرة على قدر الرّءوس فقد يكون المحضون متعدّدا‏.‏ وقيل‏:‏ للحاضنة السّكنى بالاجتهاد، أي على قدر ما يجتهد الحاكم‏.‏ وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد اعتبروا السّكنى من النّفقة، فمن تجب عليه نفقة الحاضنة يجب عليه إسكانها‏.‏

سقوط الحضانة وعودها

18 - تسقط الحضانة بوجود مانع منها، أو زوال شرط من شروط استحقاقها، كأن تتزوّج الحاضنة بأجنبيّ عن المحضون، وكأن يصاب الحاضن بآفة كالجنون والعته، أو يلحقه مرض يضرّ بالمحضون كالجذام وغير ذلك ممّا سبق بيانه، أو بسبب سفر الوليّ أو الحاضن حسب ما هو مبين في مكانه‏.‏ وقد تسقط الحضانة بسبب إسقاط المستحقّ لها‏.‏ كذلك إذا أسقط الحاضن حقّه ثمّ عاد وطلب أجيب إلى طلبه، لأنّه حقّ يتجدّد بتجدّد الزّمان كالنّفقة‏.‏ وإذا امتنعت الحضانة لمانع ثمّ زال المانع كأن عقل المجنون، أو تاب الفاسق، أو شفي المريض‏.‏‏.‏ عاد حقّ الحضانة، لأنّ سبيلها قائم وأنّها امتنعت لمانع فإذا زال المانع عاد الحقّ بالسّبب السّابق الملازم طبقا للقاعدة المعروفة ‏(‏إذا زال المانع عاد الممنوع‏)‏‏.‏ وهذا كلّه متّفق عليه عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - واختلفوا في بعض التّفصيلات‏.‏ فقال الحنابلة وهو المذهب عند الشّافعيّة‏:‏ إنّ حقّ الحضانة يعود بطلاق المنكوحة من أجنبيّ فور الطّلاق، سواء أكان بائنا أم رجعيّا دون انتظار انتهاء العدّة وذلك لزوال المانع‏.‏ وعند الحنفيّة والمزنيّ من الشّافعيّة أنّ حقّ الحضانة يعود فور الطّلاق البائن أمّا الطّلاق الرّجعيّ فلا يعود حقّ الحضانة بعده إلاّ بعد انتهاء العدّة‏.‏ أمّا المالكيّة فإنّهم يفرّقون بين زوال الحضانة لعذر اضطراريّ وبين زوالها لعذر اختياريّ‏.‏ فإذا سقطت الحضانة لعذر اضطراريّ لا يقدر معه الحاضن على القيام بحال المحضون كمرض الحاضن أو سفر الوليّ بالمحضون سفر نقلة، أو سفر الحاضنة لأداء فريضة الحجّ، ثمّ زال العذر بشفاء الحاضنة من المرض، أو عودة الوليّ من السّفر، أو عودتها من أداء فريضة الحجّ، عادت الحضانة للحاضن، لأنّ المانع كان هو العذر الاضطراريّ وقد زال، وإذا زال المانع عاد الممنوع‏.‏ وإذا زالت الحضانة لمانع اختياريّ كأن تتزوّج الحاضنة بأجنبيّ من المحضون ثمّ طلقت، أو أسقطت الحاضنة حقّها في الحضانة بإرادتها دون عذر، ثمّ أرادت العود للحضانة‏.‏ فلا تعود الحضانة بعد زوال المانع بناء على أنّ الحضانة حقّ للحاضن، وهو المشهور في المذهب‏.‏ وقيل‏:‏ تعود بناء على أنّ الحضانة حقّ المحضون‏.‏ لكنّهم قالوا‏:‏ إذا كانت الحضانة لا تعود للمطلّقة إلاّ أنّه من حقّ من انتقلت له الحضانة ردّ المحضون لمن انتقلت عنه الحضانة، فإن كان الرّدّ للأمّ فلا مقال للأب، لأنّه نقل لما هو أفضل، وإن كان الرّدّ لأختها مثلا فللأب المنع من ذلك، فمعنى أنّ الحضانة لا تعود، أي لا تجبر من انتقلت لها الحضانة على ردّ المحضون، ولها الرّدّ باختيارها‏.‏

انتهاء الحضانة

19 - من المقرّر أنّ النّساء أحقّ بالحضانة من الرّجال في الجملة، وأنّ الحضانة على الصّغار تبدأ منذ الولادة، لكنّ إنهاء حضانة النّساء على الصّغار حال افتراق الزّوجين مختلف فيه بين المذاهب، وبيان ذلك فيما يلي‏:‏ ذهب الحنفيّة إلى أنّ حضانة النّساء على الذّكر تظلّ حتّى يستغني عن رعاية النّساء له فيأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، وقدّر ذلك بسبع سنين - وبه يفتى - لأنّ الغالب الاستغناء عن الحضانة في هذه السّنّ، وقيل تسع سنين‏.‏ وتظلّ الحضانة على الأنثى قائمة حتّى تبلغ بالحيض أو الاحتلام أو السّنّ، وهذا كما في ظاهر الرّواية إن كانت الحاضنة الأمّ أو الجدّة، أمّا غير الأمّ والجدّة فإنّهنّ أحقّ بالصّغيرة حتّى تشتهى، وقدّر بتسع سنين وبه يفتى‏.‏ وعن محمّد أنّ الحكم في الأمّ والجدّة كالحكم في غيرهما، فتنتهي حضانة النّساء مطلقا - أمّا أو غيرها - على الصّغيرة عند بلوغها حدّ الاشتهاء الّذي قدّر بتسع سنين، والفتوى على رواية محمّد لكثرة الفساد‏.‏ فإذا انقضت حضانة النّساء فلا يخيّر المحضون ذكرا كان أو أنثى بل يضمّ إلى الأب، لأنّه لقصور عقله يختار من عنده اللّعب، ولم ينقل أنّ الصّحابة رضي الله عنهم خيّروا وتظلّ ولاية الأب على الصّغير والصّغيرة إلى البلوغ، فإذا بلغ الغلام مستغنيا برأيه مأمونا عليه فيخيّر حينئذ بين المقام مع وليّه، أو مع حاضنته، أو الانفراد بنفسه، وكذلك الأنثى إن كانت ثيّبا أو كانت بكرا طاعنة في السّنّ ولها رأي، فإنّها تخيّر كما يخيّر الغلام‏.‏ وإن كان الغلام أو الثّيّب أو البكر الطّاعنة في السّنّ غير مأمون عليهم لو انفردوا بأنفسهم بقيت ولاية الأب عليهم، كما تبقى الولاية على البكر إذا كانت حديثة السّنّ، وكذلك الحكم بالنّسبة للمعتوه تبقى ولاية الأب عليه إلى أن يعقل‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ حضانة النّساء على الذّكر تستمرّ إلى بلوغه وتنقطع حضانته بالبلوغ ولو مريضا أو مجنونا على المشهور‏.‏ أمّا الحضانة بالنّسبة للأنثى فتستمرّ إلى زواجها ودخول الزّوج بها‏.‏ وقال ابن شعبان من المالكيّة‏:‏ أمد الحضانة على الذّكر حتّى يبلغ عاقلا غير زمن‏.‏ وعند الشّافعيّة تستمرّ الحضانة على المحضون حتّى التّمييز ذكرا كان المحضون أو أنثى، فإذا بلغ حدّ التّمييز - وقدّر بسبع سنين أو ثمان غالبا - فإنّه يخيّر بين أبيه وأمّه، فإن اختار أحدهما دفع إليه، وإذا عاد واختار الثّاني نقل إليه، وهكذا كلّما تغيّر اختياره، لأنّه قد يتغيّر حال الحاضن، أو يتغيّر رأي المحضون فيه بعد الاختيار، إلاّ إن كثر ذلك منه بحيث يظنّ أنّ سببه قلّة تمييزه، فإنّه يجعل عند الأمّ ويلغى اختياره‏.‏ وإن امتنع المحضون عن الاختيار فالأمّ أولى، لأنّها أشفق، واستصحابا لما كان، وقيل‏:‏ يقرع بينهما، وإن اختارهما معا أقرع بينهما، وإن امتنع المختار من كفالته كفله الآخر، فإن رجع الممتنع منهما أعيد التّخيير، وإن امتنعا وبعدهما مستحقّان للحضّانة كجدّ وجدّة خيّر بينهما، وإلاّ أجبر عليها من تلزمه نفقته، وتظلّ الولاية عليه لمن بقي عنده إلى البلوغ‏.‏ فإن بلغ، فإن كان غلاما وبلغ رشيدا ولي أمر نفسه لاستغنائه عمّن يكفله فلا يجبر على الإقامة عند أحد أبويه، والأولى أن لا يفارقهما ليبرّهما‏.‏ قال الماورديّ‏:‏ وعند الأب أولى للمجانسة، نعم إن كان أمرد أو خيف من انفراده ففي كتاب العدّة لابن الصّبّاغ أنّه يمنع من مفارقة الأبوين‏.‏ ولو بلغ عاقلا غير رشيد فأطلق مطلقون أنّه كالصّبيّ، وقال ابن كجّ‏:‏ إن كان لعدم إصلاح ماله فكذلك، وإن كان لدينه فقيل‏:‏ تدام حضانته إلى ارتفاع الحجر، والمذهب أنّه يسكن حيث شاء‏.‏ وإن كان أنثى، فإن بلغت رشيدة فالأولى أن تكون عند أحدهما حتّى تتزوّج إن كانا مفترقين، وبينهما إن كانا مجتمعين، لأنّه أبعد عن التّهمة، ولها أن تسكن حيث شاءت ولو بأجرة، هذا إذا لم تكن ريبة، فإن كانت هناك ريبة فللأمّ إسكانها معها، وكذا للوليّ من العصبة إسكانها معه إذا كان محرما لها، فإن لم يكن محرما لها فيسكنها في موضع لائق بها ويلاحظها دفعا لعار النّسب‏.‏ وإن بلغت غير رشيدة ففيها التّفصيل الّذي قيل في الغلام‏.‏ أمّا المجنون والمعتوه فلا يخيّر وتظلّ الحضانة عليه لأمّه إلى الإفاقة‏.‏ والحكم عند الحنابلة في الغلام أنّه يكون عند حاضنته حتّى يبلغ سنّ السّابعة فإن اتّفق أبواه بعد ذلك أن يكون عند أحدهما جاز، لأنّ الحقّ في حضانته إليهما، وإن تنازعا خيّره الحاكم بينهما فكان مع من اختار منهما، قضى بذلك عمر رضي الله عنه ورواه سعيد وعليّ، وروى أبو هريرة قال‏:‏ ‏{‏جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا أبوك وهذه أمّك فخذ بيد أيّهما شئت فأخذ بيد أمّه فانطلقت به‏}‏‏.‏ ولأنّه إذا مال إلى أحد أبويه دلّ على أنّه أرفق به وأشفق، وقيّد بالسّبع لأنّها أوّل حال أمر الشّرع فيها بمخاطبته بالصّلاة، بخلاف الأمّ فإنّها قدّمت في حال الصّغر لحاجته ومباشرة خدمته لأنّها أعرف بذلك، قال ابن عقيل‏:‏ التّخيير إنّما يكون مع السّلامة من فساد، فإن علم أنّه يختار أحدهما ليمكّنه من فساد ويكره الآخر للتّأديب لم يعمل بمقتضى شهوته، لأنّ ذلك إضاعة له‏.‏ ويكون الغلام عند من يختار فإن عاد فاختار الآخر نقل إليه، وإن عاد فاختار الأوّل ردّ إليه هكذا أبدا، لأنّ هذا اختيار تشهّ، وقد يشتهي أحدهما في وقت دون آخر فاتّبع بما يشتهيه، فإن لم يختر أحدهما أو اختارهما معا أقرع بينهما، لأنّه لا مزيّة لأحدهما على الآخر، ثمّ إن اختار غير من قدّم بالقرعة ردّ إليه، ولا يخيّر إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة، لأنّ من ليس أهلا للحضانة وجوده كعدمه‏.‏ وإلاّ اختار أباه ثمّ زال عقله ردّ إلى الأمّ لحاجته إلى من يتعهّده كالصّغير وبطل اختياره، لأنّه لا حكم لكلامه‏.‏ أمّا الأنثى فإنّها إذا بلغت سبع سنين فلا تخيّر وإنّما تكون عند الأب وجوبا إلى البلوغ، وبعد البلوغ تكون عنده أيضا إلى الزّفاف وجوبا، ولو تبرّعت الأمّ بحضانتها، لأنّ الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ لها، وإنّما تخطب منه، فوجب أن تكون تحت نظره ليؤمن عليها من دخول الفساد لكونها معرّضة للآفات لا يؤمن عليها للانخداع لغرّتها‏.‏ والمعتوه ولو أنثى يكون عند أمّه ولو بعد البلوغ لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنّساء أعرف بذلك‏.‏

رؤية المحضون

20 - لكلّ من أبوي المحضون إذا افترقا حقّ رؤيته وزيارته، وهذا أمر متّفق عليه بين الفقهاء، لكنّهم يختلفون في بعض التّفاصيل‏.‏ وبيان ذلك فيما يلي‏:‏ يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ المحضون إن كان أنثى فإنّها تكون عند حاضنها - أمّا أو أبا - ليلا ونهارا، لأنّ تأديبها وتعليمها يكون داخل البيت ولا حاجة بها إلى الإخراج، ولا يمنع أحد الأبوين من زيارتها عند الآخر، لأنّ المنع من ذلك فيه حمل على قطيعة الرّحم، ولا يطيل الزّائر المقام، لأنّ الأمّ بالبينونة صارت أجنبيّة، والورع إذا زارت الأمّ ابنتها أن تتحرّى أوقات خروج أبيها إلى معاشه‏.‏ وإذا لم يأذن زوج الأمّ بدخول الأب أخرجتها إليه ليراها، ويتفقّد أحوالها، وإذا بخل الأب بدخول الأمّ إلى منزله أخرجها إليها لتراها، وله منع البنت من زيارة أمّها إذا خشي الضّرر حفظا لها‏.‏ والزّيارة عند الشّافعيّة تكون مرّة كلّ يومين فأكثر لا في كلّ يوم‏.‏ ولا بأس أن يزورها كلّ يوم إذا كان البيت قريبا كما قال الماورديّ‏.‏ وعند الحنابلة تكون الزّيارة على ما جرت به العادة كاليوم في الأسبوع‏.‏ وإن كان المحضون ذكرا، فإن كان عند أبيه كان عنده ليلا ونهارا، ولا يمنعه من زيارة أمّه، لأنّ المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرّحم، ولا يكلّف الأمّ الخروج لزيارته، والولد أولى منها بالخروج، لأنّه ليس بعورة‏.‏ ولو أرادت الأمّ زيارته فلا يمنعها الأب من ذلك، لما في ذلك من قطع الرّحم، لكن لا تطيل المكث، وإن بخل الأب بدخولها إلى منزله أخرجه إليها، والزّيارة تكون مرّة كلّ يومين فأكثر، فإن كان منزل الأمّ قريبا فلا بأس أن يزورها الابن كلّ يوم، كما قاله الماورديّ من الشّافعيّة أمّا الحنابلة فكما سبق تكون الزّيارة كلّ أسبوع‏.‏ وإن كان المحضون الذّكر عند أمّه كان عندها ليلا، وعند الأب نهارا لتعليمه وتأديبه‏.‏ وإن مرض الولد كانت الأمّ أحقّ بالتّمريض في بيت الأب إن كان عنده ورضي بذلك، وإلاّ ففي بيتها يكون التّمريض، وهذا كما يقول الشّافعيّة وعند الحنابلة يكون التّمريض في بيتها ويزوره الأب إن كان التّمريض عند الأمّ مع الاحتراز من الخلوة‏.‏ وإن مرض أحد الأبوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته، سواء أكان ذكرا أم أنثى‏.‏ وإن مرضت الأمّ لزم الأب أن يمكّن الأنثى من تمريضها إن أحسنت ذلك، بخلاف الذّكر لا يلزمه أن يمكّنه من ذلك وإن أحسن التّمريض، وذلك كما يقول الشّافعيّة‏.‏ ويقول الحنفيّة‏:‏ إنّ الولد متى كان عند أحد الأبوين فلا يمنع الآخر من رؤيته إليه وتعهّده إن أراد ذلك‏.‏ ولا يجبر أحدهما على إرساله إلى مكان الآخر، بل يخرجه كلّ يوم إلى مكان يمكن للآخر أن يراه فيه‏.‏ وعند المالكيّة إن كان المحضون عند الأمّ فلا تمنعه من الذّهاب إلى أبيه يتعهّده ويعلّمه، ثمّ يأوي إلى أمّه يبيت عندها‏.‏ وإن كان عند الأب فلها الحقّ في رؤيته كلّ يوم في بيتها لتفقّد حاله‏.‏ ولو كانت متزوّجة من أجنبيّ من المحضون فلا يمنعها زوجها من دخول ولدها في بيتها، ويقضى لها بذلك إن منعها‏.‏

حطيطة

انظر‏:‏ وضيعة‏.‏

حطيم

انظر‏:‏ حجر‏.‏

حظر

التّعريف

1 - من معاني الحظر في اللّغة‏:‏ الحبس، والحجر، والحيازة، والمنع، وهو خلاف الإباحة، والمحظور هو الممنوع‏.‏ وأمّا المعنى الاصطلاحيّ فلا يخرج عن المعنى اللّغويّ إلاّ أن يقال‏:‏ المحظور هو الممنوع شرعا، وهو أعمّ من أن يكون حراما أو مكروها، وقصره بعضهم على المحرّم فقط‏.‏ قال الجرجانيّ‏:‏ المحظور ما يثاب بتركه ويعاقب على فعله‏.‏ ومثل هذا ما قاله البيضاويّ‏:‏ فقد عرّفه بأنّه ما يذمّ شرعا فاعله‏.‏ وأمّا المحظور عند الأصوليّين فقد عرّفه‏.‏ الآمديّ بأنّه ما ينتهض فعله سببا للذّمّ شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له، فالقيد الأوّل فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام، والثّاني فاصل له عن المخيّر، والثّالث أصل له عن المباح الّذي يستلزم فعله ترك واجب، فإنّه يذمّ عليه لكن لا من جهة فعله بل لما لزمه من ترك الواجب والحظر فهو خطاب الشّارع بما فعله سبب للذّمّ شرعا بوجه ما من حيث هو فعله، ومن أسمائه أنّه محرّم، ومعصية، وذنب‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّحريم‏:‏

2 - التّحريم هو خطاب اللّه تعالى المتعلّق بمنع المكلّف من فعل الشّيء بحيث يستحقّ الثّواب على تركه والعقاب على فعله‏.‏ وهذا يتّفق مع من سوّى بين الحظر والتّحريم فيكونان مترادفين ب - كراهية‏:‏

3 - الكراهية هي خطاب اللّه تعالى المتعلّق بنهي المكلّف عن الفعل بحيث يستحقّ الثّواب على التّرك ولا يستحقّ العقوبة على الفعل، وإن كان قد يلام عليه‏.‏ وهي بهذا المعنى أخصّ من الحظر، لأنّ الحظر يتناول الكراهية، والتّحريم عامّ عند بعض العلماء أو يتناول التّحريم فقط عند بعضهم فيكون بهذا التّقديم قسيما للحظر‏.‏

الآثار الأصوليّة والفقهيّة

أ - الآثار الأصوليّة‏:‏

4 - سبق أنّ الحظر والمحظور عند الأصوليّين معناهما واحد، ومن أسماء المحظور عندهم محرّم ومعصية وذنب، وقد ذكر فيه الآمديّ ثلاث مسائل‏:‏ الأولى‏:‏ في جواز أن يكون المحرّم أحد أمرين لا بعينه والخلاف فيها مع المعتزلة‏.‏ والثّانية‏:‏ في استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة‏.‏ والثّالثة‏:‏ في أنّ المحرّم بوصفه مضادّ لوجوب أصله والخلاف فيها بين الشّافعيّة والحنفيّة‏.‏ وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ‏.‏

ب - الآثار الفقهيّة ومواطن البحث

5 - يعتبر مصطلح حظر من النّاحية الفقهيّة مقسما لما استخرج من مصطلحات أصليّة كمصطلح‏:‏ نظر، ولمس، ولباس، وغيرها‏.‏ والنّاظر في كتب الفقه يجد أنّ الحنفيّة أفردوا في كتبهم قسما خاصّا ذكروا فيه أحكاما تناولت الكثير من مسائل الفقه، فإنّ منها ما يتعلّق بالنّظر والمسّ، وقد ذكروا فيه حكم نظر الرّجل إلى الرّجل، والمرأة إلى المرأة، والرّجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرّجل، وما يتّصل بذلك من أحكام المسّ، ومنها ما يتعلّق باللّبس وما يكره منه وما لا يكره، ومنها ما يتعلّق باستعمال الذّهب والفضّة كالأكل والشّرب في الآنية المصنوعة منهما وما يتعلّق به، ومنها ما يتعلّق بالأكل ومراتبه وما يتّصل بذلك، ومنها ما يتعلّق بالهدايا والضّيافات، ومنها ما يتعلّق بنثر الدّراهم والسّكر وما يتّصل به، ومنها ما يتعلّق بالأحكام الّتي تعود على أهل الذّمّة كدخولهم المسجد الحرام أو سائر المساجد، ودخول المسلمين إلى بيعهم وكنائسهم، ومنها ما يتعلّق بالكسب وبيان أنواعه، وأسبابه، وبيان الأفضل منها، ومنها ما يتعلّق بزيارة القبور وقراءة القرآن في المقابر، ومنها ما يتعلّق بالغناء واللّهو وسائر المعاصي والأمر بالمعروف، ومنها ما يتعلّق بالتّداوي والمعالجات وفيه العزل وإسقاط الولد، ومنها ما يتعلّق بالختان والخصاء، وقلم الأظفار، وقصّ الشّارب، وحلق الرّأس، وحلق المرأة شعرها، ووصلها شعر غيرها، وما يتّصل به، ومنها ما يتعلّق بالزّينة واتّخاذ الخادم للخدمة، ومنها ما يتعلّق بما يسع من جراحات بني آدم والحيوانات، وقتل الحيوانات، وما لا يسع من ذلك، ومنها ما يتعلّق بتسمية الأولاد وكناهم والعقيقة، ومنها ما يتعلّق بالغيبة والحسد والنّميمة والمدح، ومنها ما يتعلّق بدخول الحمّام للنّساء والرّجال وما يتّصل به، ومنها ما يتعلّق بالبيع والاستيام على سوم الغير، ومنها ما يتعلّق بالرّجل الّذي يخرج إلى السّفر فيمنعه أبواه أو أحدهما أو الدّائن، وفي سفر المرأة ومنع زوجها لها، ومنها ما يتعلّق بالقرض والدّين، ومنها ما يتعلّق بملاقاة الملوك والتّواضع لهم، وتقبيل أيديهم أو يد غيرهم، وتقبيل الرّجل وجه غيره وما يتّصل بذلك، ومنها ما يتعلّق بالانتفاع بالأشياء المشتركة، ومسائل أخرى متفرّقة‏.‏ والعمل بخبر الواحد، وبغالب الرّأي، وبالرّجل الّذي رأى رجلا يقتل أباه وما يتّصل به، وبالصّلاة، وبالتّسبيح، وقراءة القرآن والذّكر والدّعاء، ورفع الصّوت عند قراءة القرآن، وبآداب المسجد، والقبلة والمصحف، وما كتب فيه شيء من القرآن نحو الدّراهم والقرطاس أو كتب فيه اسم اللّه تعالى، وبالمسابقة والسّلام وتشميت العاطس‏.‏ هذا والحنفيّة لم يتّفقوا على اسم معيّن يطلقونه على ذلك القسم الّذي ذكروا فيه تلك الأحكام فبعضهم كصاحب الدّرّ المختار ومختصر القدوريّ والفتاوى البزّازيّة وغيرهم يلقّبونه بكتاب الحظر والإباحة‏.‏ وبعضهم كصاحب المبسوط وصاحب البدائع يلقّبونه بكتاب الاستحسان، وبعضهم كصاحب الكنز وصاحب الهداية وصاحب الاختيار وصاحب الفتاوى الهنديّة يلقّبونه بكتاب الكراهية‏.‏ وسبب هذا الخلاف كما جاء في حاشية ابن عابدين هو أنّ المسائل الّتي تذكر فيه من أجناس مختلفة فلقّب بذلك، لما يوجد في عامّة مسائله من الكراهية والحظر والإباحة والاستحسان كما في النّهاية، ولقّبه بعضهم بكتاب الزّهد والورع، لأنّ فيه كثيرا من المسائل أطلقها الشّرع، والزّهد والورع تركها‏.‏ وأمّا غير الحنفيّة من الفقهاء فإنّهم ذكروا تلك المسائل في مواضع متفرّقة ولم يفردوا لها قسما مستقلّا، ومن ذلك على سبيل المثال النّظر الّذي هو بمعنى الرّؤيا، فإنّهم ذكروا أحكامه في عدد من المواطن، فالمالكيّة ذكروا تلك الأحكام في نواقض الوضوء‏.‏ وفي شرائط الصّلاة عند الكلام على ستر العورة، وفي النّكاح، وفي تحمّل الشّهادة‏.‏ والشّافعيّة ذكروا تلك الأحكام في النّكاح وفي الشّهادات‏.‏ وذكرها الحنابلة في النّكاح‏.‏ والتّفصيل محلّه المصطلحات الخاصّة بتلك المسائل‏.‏

حفظ

التّعريف

1 - الحفظ لغة‏:‏ من حفظ الشّيء حفظا إذا منعه من الضّياع والتّلف‏.‏ ويأتي بمعنى التّعاهد وقلّة الغفلة، يقال حفظ القرآن إذا وعاه عن ظهر قلب‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ الأحكام المتعلّقة بالحفظ‏:‏

2 - يختلف الحكم التّكليفيّ بالنّسبة للحفظ تبعا لاختلاف ما يضاف إليه على النّحو التّالي‏:‏ حفظ ما يقرأ في الصّلاة‏:‏

3 - اتّفق الفقهاء الّذين يرون أنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة ركن من أركان الصّلاة على وجوب قراءة الفاتحة على كلّ مكلّف يستطيع ذلك، فإن لم يستطع قراءتها فيلزمه كسب القدرة إمّا بالتّعلّم أو التّوسّل إلى مصحف يقرؤها منه، سواء قدر عليه بالشّراء أو الاستئجار أو الاستعارة، فإن كان باللّيل أو كان في ظلمة فعليه تحصيل الإضاءة، فلو امتنع عن ذلك مع الإمكان فعليه إعادة كلّ صلاة صلّاها إلى أن يقدر على قراءتها من حفظه، أو من مصحف، أو عن طريق التّلقين‏.‏ ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه تتعيّن قراءة الفاتحة في كلّ ركعة من الصّلاة إلاّ ركعة مسبوق، فإن جهل المصلّي الفاتحة وضاق الوقت عن تعلّمها فسبع آيات، فإن عجز أتى بذكر، فإن لم يحسن شيئا وقف قدر الفاتحة‏.‏ وذهب المالكيّة في المختار عندهم إلى أنّ القراءة تسقط عمّن عجز عنها، واختار ابن سحنون أن يبدّل الذّكر بذلك‏.‏ وذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّه تجزئ قراءة آية طويلة أو ثلاث آيات قصار من القرآن في الصّلاة من أيّ موضع كان، وأنّ الفاتحة لا تتعيّن، وأنّه يفرض عينا على كلّ واحد من المكلّفين بعينه حفظ آية من القرآن الكريم لتكون صلاته صحيحة، كما ذهب الحنفيّة إلى وجوب حفظ الفاتحة وسورة أخرى على كلّ واحد من المكلّفين، لأنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة عند الحنفيّة من واجباتها وليست من أركانها، وكذلك السّورة وإن كانت أقصر سور القرآن أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار‏.‏

حكم تقديم الأحفظ للقرآن لإمامة الصّلاة

4 - اختلف الفقهاء فيمن يقدّم لإمامة الصّلاة‏:‏ الأحفظ أم الأفقه ‏؟‏ فذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّ الأفقه‏:‏ أي الأعلم بالأحكام الشّرعيّة أولى بالإمامة في الصّلاة من الأقرأ وإن كان حافظا لجميع القرآن، وذلك إذا كان الأفقه يحفظ ما تجوز به الصّلاة من القرآن، لأنّ الحاجة إلى الفقه أهمّ لكون الواجب من القرآن في الصّلاة محصورا والحوادث فيها لا تنحصر فيفتقر إلى العلم ليتمكّن به من تدارك ما عسى أن يعرض فيها من العوارض المختلفة‏.‏ ولأنّ ‏"‏ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قدّم أبا بكر رضي الله عنه في إمامة الصّلاة على غيره من الصّحابة رضي الله عنهم ‏"‏، ومنهم من كان أحفظ منه للقرآن الكريم لكونه أفقههم جميعا‏.‏ وذهب الحنابلة والشّافعيّة في مقابل الأصحّ عندهم إلى أنّ الأقرأ والأحفظ أولى بالإمامة في الصّلاة من الأفقه لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسّنّة، فإن كانوا في السّنّة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما‏}‏‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم‏}‏‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ليؤمّكم أكثركم قرآنا‏}‏‏.‏

الوقف والوصيّة على حفّاظ القرآن

5 - يرى الشّافعيّة أنّ الوقف على القرّاء، أو أهل القرآن أو الوصيّة لهم تصرف لحفّاظ كلّ القرآن عن ظهر الغيب، ولا يدخل فيهم القرّاء الّذين يقرءون القرآن من المصحف‏.‏ وذهب الحنابلة كذلك إلى أنّ الوقف على القرّاء أو أهل القرآن الآن أوالوصيّة لهم يصرف لحفّاظ القرآن كلّه‏.‏ أمّا في الصّدر الأوّل فكان الوقف على القرّاء أو أهل القرآن أو الوصيّة لهم يصرف للفقهاء لأنّ الأقرأ في ذلك الزّمان كان فقيها لتلقّيهم القرآن بمعانيه وأحكامه‏.‏

حكم جعل تحفيظ القرآن الكريم صداقا

6 - اختلف الفقهاء في جواز جعل تحفيظ القرآن الكريم صداقا للمرأة‏:‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة في المشهور عندهم وأحمد في رواية عنه إلى عدم جواز جعل تحفيظ القرآن الكريم صداقا للمرأة، لأنّ الفروج لا تستباح إلاّ بالأموال لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ولا متّخذي أخدان‏}‏ ولأنّ تحفيظ القرآن الكريم لا يجوز أن يقع إلاّ قربة لفاعله‏.‏ وذهب الشّافعيّة وهو خلاف المشهور عند بعض المالكيّة وأحمد في رواية عنه إلى جواز جعل تحفيظ القرآن الكريم صداقا للمرأة ‏"‏ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلا امرأة بما معه من القرآن بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏أملكناكها بما معك من القرآن‏}‏‏.‏ ثمّ إنّ الذّاهبين إلى جواز ذلك اتّفقوا على أنّه لا بدّ من تعيين ما يحفّظها إيّاه من السّور والآيات، لأنّ السّور والآيات تختلف، كما اتّفقوا على وجوب تحفيظها للقدر المتّفق عليه من السّور والآيات، ولكنّهم اختلفوا هل يشترط تعيين القراءة الّتي يعلّمها وفقا لها أم لا ‏؟‏ فذهب جمهور الشّافعيّة وهو أحد الوجهين عند الحنابلة إلى عدم اشتراط ذلك لأنّ كلّ قراءة تنوب مناب القراءة الأخرى، ‏"‏ ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعيّن للمرأة قراءة معيّنة ‏"‏ وقد كانوا يختلفون في القراءة أشدّ من اختلاف القرّاء اليوم‏.‏ فيعلّمها ما شاء من القراءات المتواترة‏.‏ ويرى بعضهم أنّه يجب تعيين قراءة بعينها لأنّ الأغراض تختلف، والقراءات كذلك تختلف، فمنها صعب ومنها سهل، ونقل عن البصريّين من الشّافعيّة أنّه يعلّمها ما غلب على قراءة أهل البلد، وإن لم يكن فيها أغلب علّمها ما شاء من القراءات، وهذا إذا لم يتّفقوا على قراءة معيّنة، أمّا إذا اتّفقوا على قراءة معيّنة فيجب عليه أن يحفّظها هذه القراءة، فإن خالف وعلّمها قراءة أخرى غيرها فمتطوّع ويلزمه تعليمها القراءة المتّفق عليها عملا بالشّرط‏.‏

7- واختلف القائلون بجواز جعل تعليم القرآن صداقا فيما لو أصدق زوجته الكتابيّة تعليم سورة من القرآن‏.‏ فذهب الشّافعيّة إلى جواز ذلك إذا كان يتوقّع إسلامها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه‏}‏ أمّا إذا لم يتوقّع إسلامها فلا يجوز ذلك‏.‏ وذهب الحنابلة إلى عدم جواز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ‏}‏ وذلك مخافة أن تناله أيديهم فالتّحفيظ أولى أن يمنع منه ولها مهر المثل‏.‏

حكم حفظ القرآن الكريم

8 - ذهب الفقهاء إلى أنّ حفظ ما عدا الفاتحة وسورة معها من القرآن الكريم فرض من فروض الكفاية، يجب على المسلمين كافّة أن يوجد بينهم عدد كاف يسقط بهم الفرض فإذا لم يوجد بينهم هذا العدد أثم الجميع‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلحات‏:‏ ‏(‏صلاة، وقراءة، وقرآن‏.‏‏)‏‏.‏

حفظ الوديعة

9 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الوديعة - وهي عقد استنابة حفظ المال - توجب على المودع أن يحفظ المال في حرز مثله، وأن لا يخالف في كيفيّة الحفظ عن أمر صاحب المال، وأن لا يضع المال في يد ثالثة بدون إذن صاحبه إلاّ للضّرورة‏.‏ وأن لا ينقله من مكان الحفظ من غير إذن صاحبه إلاّ للضّرورة كذلك‏.‏ وأنّ الوديعة أمانة، فإذا تلفت بغير تفريط أو تعدّ من المودع فليس عليه ضمان، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ليس على المستودع ضمان‏}‏‏.‏ ولأنّ المستودع إنّما يحفظها لصاحبها متبرّعا من غير نفع يرجع عليه، فلو لزمه الضّمان لامتنع النّاس من قبول الودائع، وذلك مضرّ لحاجة النّاس إليها، فإنّه يتعذّر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، فأمّا إذا تلفت الوديعة بتفريط أو تعدّ من المودع فعليه الضّمان‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلحي‏:‏ ‏(‏وديعة وضمان‏)‏‏.‏

حفيد

التّعريف

1 - أصل الحفد في اللّغة‏:‏ الخدمة، والعمل، والحفدة‏:‏ الأعوان والخدم، وواحدهم ‏"‏ حافد ‏"‏ قال ابن عرفة‏:‏ الحفدة عند العرب‏:‏ الأعوان، فكلّ من عمل عملا أطاع فيه أمرا وسارع إليه فهو حافد‏.‏ ومن هذا المعنى الدّعاء المأثور‏:‏ ‏{‏وإليك نسعى ونحفد‏}‏ أي إلى طاعتك نسرع‏.‏ قال عكرمة‏:‏ الحفدة من خدمك من ولدك، وولد ولدك‏.‏ وقال الأزهريّ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة‏}‏ إنّ الحفدة أولاد الأولاد، قال القرطبيّ‏:‏ هو ظاهر القرآن بل نصّه‏.‏ وفي الاصطلاح الحفيد هو ولد الولد‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

السّبط‏:‏

2 - السّبط‏:‏ يطلق في اللّغة على ولد الولد قال العسكريّ‏:‏ وأكثر ما يستعمل السّبط في ولد البنت‏.‏ وفي الاصطلاح يطلق عند الشّافعيّة على ولد البنت، ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأمّا ولد الابن فيطلق عليه عندهم لفظ الحفيد‏.‏ وعند الحنابلة يطلق كلّ من الحفيد والسّبط على ولد الابن وولد البنت‏.‏ النّافلة‏:‏

3 - النّافلة في اللّغة الزّيادة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة‏}‏ أي زيادة لأنّه دعا في إسحاق، وزيد يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل، إذ قال‏:‏ ‏{‏ربّ هب لي من الصّالحين‏}‏ ويقال‏:‏ لولد الولد نافلة، لأنّه زيادة على الولد‏.‏ وهو في الاصطلاح كذلك ولد الولد ذكرا كان أو أنثى‏.‏

الحكم الإجماليّ

4 - الحفيد الّذي هو ابن الابن من العصبات باتّفاق الفقهاء، وينزّل منزلة الابن للصّلب عند فقده، ويعصب أخواته وبنات أعمامه اللّاتي في درجته، كما أنّه يعصب من فوقه من عمّاته إن لم يكن لهنّ من فرض البنات شيء ‏(‏ر‏:‏ ابن الابن‏)‏‏.‏ أمّا ابن البنت فهو حفيد عند الحنابلة، وهو في الميراث من ذوي الأرحام، ولهم أحكام خاصّة ‏(‏ر‏:‏ إرث‏.‏ وصيّة‏.‏ وقف‏.‏ أرحام‏)‏‏.‏ والحفيدة‏:‏ بنت الابن، تنزّل منزلة البنت عند عدم البنت، وترث السّدس مع بنت الصّلب تكملة للثّلثين، وتحجب بابن الصّلب، وبالبنتين فأكثر، ويعصبها أخوها، وابن أخيها، وابن عمّها الّذي هو في درجتها أو أنزل منها، ‏(‏ر‏:‏ بنت الابن‏)‏‏.‏‏.‏

دخول الحفدة في الوقف على الأولاد

5 - اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الحنابلة وهو ظاهر الرّواية المفتى به عند الحنفيّة إلى أنّه يدخل أولاد البنين دون أولاد البنات في الوقف على الأولاد‏.‏ وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الحفدة لا يدخلون في الوقف على الأولاد في الأصحّ عندهم‏.‏ والتّفصيل في مصطلح ‏(‏وقف‏)‏‏.‏

الموسوعة الفقهية / نهاية الجزء السابع عشر